الراغب الأصفهاني

116

الذريعة إلى مكارم الشريعة

والثاني خلقه خلقة ما وجعل فيه قوة ، ورشح الإنسان لإكماله ، وتغيير حاله وإن لم يرشحه لتغيير ذاته ، كالنواة التي جعل فيها قوة النخل . وسهل للإنسان سبيلا إلى أن يجعله بعون اللّه نخلة ، ( أو ) وأن « 1 » يفسده إفسادا . قال : والخلق من الإنسان يجري هذا المجرى في أنه لا سبيل للإنسان إلى تغيير القوة التي هي السجية « 2 » ، وجعل له سبيلا إلى إسلاسها . ولهذا قال اللّه تعالى : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها « 3 » ، ولو لم يكن كذلك لبطلت فائدة المواعظ والوصايا ، والوعد والوعيد ، والأمر والنهي ، ولما جوّز العقل أن يقال للعبد لم فعلت ؟ ولم تركت ؟ وكيف يكون هذا في الإنسان ممتنعا وقد وجدناه في بعض البهائم ممكنا ، فالوحش قد ينقل بالعادة إلى التأنس ، والجامح إلى السلاسة . لكن الناس في غرائزهم مختلفون ، فبعضهم جبلوا جبلة سريعة القبول ، وبعضهم جبلوا جبلة بطيئة القبول ، وبعضهم في الوسط ، وكل « 4 » لا ينفك من أثر قبول وإن قل . وأرى أن من منع من تغيير الخلق فإنه اعتبر القوة نفسها ، وهذا صحيح فإن النوى محال أن ينبت الإنسان منه تفاحا . ومن أجاز تغييره فإنه اعتبر إمكان ما في القوة إلى الوجود وإفساده بإهماله كالنوى فإنه يمكن أن يتفقد فيجعل نخلا وأن يترك مهملا حتى يتعفن ويفسد . وهذا صحيح أيضا . فإذن اختلافهما بحسب اختلاف نظريهما . . .

--> ( 1 ) التقسيم يقتضي « أو » إذ العطف يوحي بأن الإنسان ينبت ويفسد معا . . ( 2 ) في ط إلى أن تصير سجية ، ولكن العبارة بعدها ترشح ما ذكرنا ، إذ ليس في إمكان الإنسان تغيير أصل السجية ، لكن له إسلاسها . ( 3 ) الشمس / 9 ، 10 . ( 4 ) في أما لا ينفك وزيادة الميم هنا خطأ ولعلها من الناسخ .